الرئيسية 5 أراء وتحاليل 5 بين الفكر والسياسة 5 أين نحن مند الاستقلال؟  6) بين السيئ والأسوأ

أين نحن مند الاستقلال؟  6) بين السيئ والأسوأ

بقلم : نورالدين بوكروح

ترجمة : نورة بوزيدة

دامت أول تجربة تشييد الجزائر بعد الاستقلال قرابة الثلاثين عاما تحت لواء النظام الأحادي والحزب الواحد من 1962 إلى غاية 1989 عندما صوت الشعب لصالح الدستور الديمقراطي. وانتهى بنا الأمر إلى انفجار أزمة نظامية كانت للأسف دامية ومأساوية. ولكن بدأت معها أيضا ثان تجربة بناء الدولة والوطن في ظل نظام ديمقراطي وما زلنا نحاول إلى يومنا هذا، متسائلين إذا كانت أحسن أم أسوء من المحاولة الأولى. قد نصف  ما حدث بين أكتوبر 1988 وأول انتخابات تعددية في جوان 1990 (البلديات) ثم في ديسمبر 1991 (التشريعيات) كمسعى لرفع صفة “الجماهير” عن الشعب بعد الانفجار الأكبر (بيغ بانغ)، الذي حدث في أكتوبر 1988.

كيف تم ذلك؟ لقد نهض الشعب الذي كان ظاهريا كالكبة المتشابكة والكتلة الواحدة ونزع تلك القوقعة عن نفسه ليتجمع من جديد في كتل حزبية أو شرائح اجتماعية أو ثقافية أوأيديولوجية والتف كل حسب ميوله حول قيم وأفكار، فتجاذب المتشابهون وتنافر المتنافرون. وهكذا أبرز هذا الحراك الاجتماعي انقساما مزدوجا في البلاد، انقسام قديم عمودي بين السلطة والشعب وانقسام أفقي داخل الشعب نفسه بسبب اختلاف أبنائه في توجهاتهم السياسية والتفافهم بالتالي حول أحزاب معارضة للسلطة وفيما بينها في آن واحد.

وكانت أكثر القوى جاذبية هي بالضبط تلك التي تمثل “السيئ” من جهة، أي أشلاء المؤسسات والذهنيات التي تبقت من النظام الأحادي و”الأسوأ” المتمثل في الإسلاموية السياسية.

ورأينا كيف برزت نفس الظاهرة في البلدان العربية التي مرت بنفس المسار حين انفجرت الثورات العربية والتي انفجر معها الكيان الواحد الاصطناعي في أول انتخابات حرة نظمتها تلك البلدان. لا تحمل ذاكرة الشعوب العربية سوى مثالا وحيدا عن أنظمة الحكم هو الاستبداد السياسي، وسوى ثقافة واحدة هي الثقافة الدينية. فلا عجب إذن أن تختار تلك الشعوب هذا أو ذاك دون غيرهما من الخيارات التي عرضت عليها عندما حانت ساعة الاختيار الديمقراطي، وكأنها “مضطرة” ويدفعها دافع لا شعوري.

أما في الجزائر وبعد الانفجار الذي لم يكن يتوقعه أحد والانقسامات، بات الجميع يلعن التعددية التي رأوا فيها خطرا على بلدهم، صاروا يحنون لزمن الأحادية التي أصبحت رمزا للاستقرار والتوافق. ونفس الإحساس ينخر اليوم ضمير الشعوب العربية بعد أن عرفت ثوراتها “الربيعية” نفس المصير، وصارت “الديمقراطية” متهمة بأنها فجرت الروابط التي كانت تشد وزر الشعوب واتهمت حرية التعبير بأنها أخرجت من مصابيحها الجنة الشريرة التي كانت نائمة. يا للغرابة ! لقد صارت الحلول مشاكل !

السيئ والأسوأ كالتوأمين اللذين يترعران في نفس البيئة الثقافية لكنهما يتفرقان عندما يكبران ويختار كل واحد منهما إستراتيجية ونظرة مختلفة للشعب – الكتلة ويريد كل واحد منهما أن يقوده مثل القطيع إلى ما يحسبه أفضل له، إلى يوتوبيا تسمى اشتراكية أو دولة إسلامية.

لقد تنافس “الرجل المعجزة” و”الشيخ” حول نفس الفريسة، أي الشعب ولكن لم يقترح عليه الأول سوى ما ادعاه الثاني، أي الشعبوية اللائكية من جهة والشعبوية الدينية من الجهة الأخرى. لكن الاثنتان تودان بنفس الطريقة أن تمنعا عن ذلك الشعب الحريات العامة والديمقراطية والعقلانية وحرية التفكير والاختيار. لقد وجد كل واحد من التوأمين طريقة ليلجم بها المجتمع ويفرض عليه الشمولية والتفكير الأحادي، أي “الديمقراطية” المركزية في الماضي والدولة الدينية اليوم.

ففي مصر مثلا، هذا الخصام هو الذي تسبب في العراك بين العسكريين والإسلامويين، الأول يرتدي زيه العسكري والثاني يحمل علامة الصلاة فوق جبهته “كماركة” تصنيع. ويقول الجيش أن سبب تخلي المصريين عن حقهم في التصويت راجع لرفضهم الدولة الإسلامية بينما يتغنى الإسلامويون بشرعيتهم الشعبية. إلا أن الانتخابات الرئاسية بينت أيضا أن الشعب المصري منقسم إلى قسمين تقريبا بالعدل بين الطرفين.

إن الهروب إلى الأمام هو أن يجري الهارب إلى الأمام لا ينظر وراءه ولا حتى أمامه من كثر خوفه أن يلحق به الماضي، لا يقيم ما تركه ولا يحسب لما هو ملاقيه أي حساب، ولا يعرف إلى أين هو متجه حيث لا بوصلة له ولا رؤية ولا شاطئ يريد الإرساء فيه. ولا يريد أن يعود أدراجه مهما كانت الغلطات والتكاليف التي يجب أن يصححها ويقلل منها. وهو ما يقوم به الحزب الواحد إلى يومنا هذا حيث لا يريد الاعتراف بأخطائه بل ويتمادى فيها بالرغم من إخفاقاته المتكررة في كل المجالات. إن “السيئ” ما زال بيننا وفوق رؤوسنا، حاملا قناعا جديدا وماكياجا آخرا ومستعملا إمكانيات الأمة التي توفرت لديه أكثر من أي وقت مضى.

لقد عمل الحزب الواحد ما في وسعه على تغطية الهوة التي فتحت تحت قدميه بعد زلزال 1988 لكن لم يتمكن من ذلك سوى ببعض القش والقصدير، فخلق أحزابا لا برنامج لها ولا أفكار فقط لتعكير صورة الأحزاب الجادة وتغطية أصوات الشخصيات النزيهة والقادرة على اقتراح الحلول الحقيقية للخروج من تلك الثنائية الرهيبة… فاختلطت اللعبة ولم يعد الناس يفرقون بين هذا وذاك ورموا بالجميع في نفس الوادي.

ومن جهتها، كانت الإسلاموية تهرب إلى الخلف، كما كان يفعل أجدادنا أمام المستعمر الأجنبي عندما كانوا يصعدون إلى قمم الجبال أو يتلاشون في أعماق الصحراء مثل السراب. كانت الإسلاموية في البداية “تبليغا”، أي دعوة ونضالا للعودة إلى ما كان عليه “السلف”، لكن بعد ذلك تحولت إلى ثقافة اجتماعية. وبعد أن استعملت السلاح لمدة في بعض البلدان أو تراجعت عن تلك الوسيلة قبل استعمالها في بلدان أخرى، فكرت الاسلاموية في استعمال أسلحة أخرى، لا تدوي، لكنها تهدم كل المفاهيم التي تقوم عليها الدولة الحديثة.

فالإسلاموية اليوم تتبع أنماط عمل مختلفة، فهي تستهدف الأشخاص فردا فردا، وكل واحد منهم يصبح بنفسه وسيلة تدريب الآخرين بعد أن يقتنع بأن الدولة الحديثة لا تستهل الاحترام وعليه أن يرفض قوانينها وحتى كل قواعد المجتمع للعيش وفق قواعد شخصية مبنية على ما قاله “السلف” والأولون. فصار لكل فرد أخلاقه وكأنه دولة واحدة مستقلة عن كل الآخرين بناها في عالم خرافي و خيالي في الماضي.

إنه التراجع “الحلال” أمام التقدم “الحرام”. وعندما لم تتمكن من إسقاط عملها وحركتها في المستقبل، انغمست الإسلاموية في التوتمية وتقديس الرموز والأشياء القديمة البالية، وبما أنها لم تستطع اقتراح نماذج دولة ومجتمع حديثين، صارت تخرج لنا من عمامتها “اللباس الإسلامي” و”البنك الإسلامي” و”الجهاد الإسلامي” و”الحل الإسلامي” و”الدولة الإسلامية”….

لقد تمكنت الجزائر من دحض “الأسوأ” بعد مئات الآلاف من الموتى، ولذا، يجب علينا التوقف والتفكير والتمحيص. هل هو فوز نهائي؟ هل نحن حقا خرجنا من الأزمة وهل قضينا عليها حقا أم فقط نومناها كالوحش الضروس بالكلوروفورم وسيأتي يوم يستيقظ فيه لينقض علينا ثانية، بطريقة لا نتصورها ربما لأن الخطر قد لا يكمن في انتخابات أخرى أو نقص الموارد المالية. ألسنا مثل سائق السيارة الذي يملئ خزانه بالبنزين عندما ينطلق في الطريق لكنه لا يعلم إذا يمكنه الوصول إلى هدفه بذلك المحزون وإن كان سيجد محطة وقود أخرى في طريقه؟

إننا نعيش اليوم مرحلة هدوء. ليست الهدنة نهائية لأن الإرهاب ما زال يضرب لكن قوات الأمن تمكنت من التحكم في مكافحته وعززت إمكانياتها البشرية وحسنت وسائلها وعموما اكتسبت خبرة كبيرة في ذلك. فلم يعد الإرهاب يشكل الخطر الأكبر على الجمهورية لكن الإسلاموية السياسية التي ولدته ما زالت حية ونشيطة في المجتمع رغم الخيبات الانتخابية.

وأما الأجيال التي حكمت البلاد منذ الاستقلال، فمنها من قضى نحبه أو ينتظر، وهي تحضر “خطبة الوداع”، إلا أنها ستترك لنا نحن، أجيال الاستقلال، إرثا ثقيلا: 97 % من مداخيل البلاد تأتي من المحروقات والكل يعلم أنها موردا سينفذ في العشريات القادمة، وكتبعة لذلك،  فإن 70 % من مداخيل الضرائب تأتي من البترول، و60 % من المواد التي نستهلكها نقتنيها من الخارج، ونسبة البطالة جد كبيرة والنقص في الإسكان والبنى التحتية فادح.

ليست الأزمة التي عشناها من أكبر الأهوال التي ستسجل في تاريخنا، بل تلك التي ستأتي في السنوات المقبلة ستكون أكثر هولا إذا ما لم نتمكن من تسديد خطانا نحو الحلول ولم نتخلص من ذلك الاختلال الذي يشوب اقتصادنا وتوازننا الاجتماعي. علينا أن نستعيد ثقة الشعب وأن نفتح أمامه إمكانية إعادة بناء بلاده بيديه وليس بسواعد الآخرين، وعلينا أن نعيد مصداقية الإدارة والمؤسسات بأن نعيد لها أخلاقياتها وعلينا أن نوضح رؤيتنا الاقتصادية.

عندما تتصدع حيطان بناية ما بسبب تفسخ أسسها لا يجب أن نحاول ترميمها سطحيا بل يجب أن تهدم عن آخرها ويشيد بناء جديد بدلها تتناسب هندسته مع مشروع حياة جديد أساسه قيم حقيقية غير مزيفة، تغسل الأذهان من أدران التصورات القديمة وتحيى مزايانا الطبيعية ثم نحولها إلى قيم اجتماعية كما تحول المادة الخام إلى منتوج صناعي عبر سلسلة البرامج التربوية والخطاب السياسي وتبادل الآراء والإبداع الثقافي وذلك حتى تصبح قابلة للاستعمال في خلق وجهتنا الاجتماعية والتاريخية.

علينا تغيير الأفكار التي نحملها عن الدولة والإسلام والاقتصاد والديمقراطية. علينا بتصحيحها وتحيينها وتحويلها إلى مفاهيم للتقدم والتطور والنهضة. علينا أن ننظف عقولنا من الشعبوية و”النية” العمياء التي أراد كل من النظام الاستبدادي والاسلاموية أن يقوداننا بها بدل الحس النقدي والبصيرة والواقعية والكفاءة. علينا أن نبني أنفسنا من جديد بأفكار جديدة تتناغم مع نوتات زماننا وتناسب إمكانياتنا الحالية مع الاحتفاظ بقيمنا الأخلاقية والروحية والثقافية.

لكن ما زلنا للأسف لم نتخذ هذا الاتجاه ولم نتبع هذه الطريق. ففي منطقنا المعوج، لم أستغرب عندما تحاشى الشعب عن التصويت في الانتخابات التشريعيات وبالتالي قررت الأقلية بدل الأغلبية، لكن هذا لم يمنع السلطات من نشر تعليق من “أروع ما يكون” حول “الحس المدني للشعب الذي مارس سيادته بكل وعي ومسؤولية”. والحمد لله أننا نعيش في زمن نتفرج على المباشر على ما يحدث في باقي العالم، ونعرف كيف تعيش المجتمعات “العادية”، ونعرف على الخصوص فرنسا التي نتتبع قنواتها يوميا والتي يعيش فيها مليوني جزائري. ولولا رؤية العالم لأصبحنا كالمجانين في مستشفاهم.

وهكذا يشاهد الكثير منا كيف تتم الحملات الانتخابية الرئاسية أوالتشريعية، والمداولة على السلطة بين اليمين واليسار ويتبع مسار الوصول إلى سدة الحكم في بلد كبير، حيث يبدأ المرشح مسيرة طويلة وعرة فيها العراقيل تلو العراقيل، مجيبا على السؤال تلو السؤال، يقبل النقد والنقاش مع منافسيه حتى يقنع مواطنيه بجديته وكفاءته وقدرته على قيادة البلاد.

المرشحون يتنافسون ويتدافعون لاقتراح أفضل الحلول الاقتصادية لتقليص الديون العمومية ودفع التنمية وخلق مناصب الشغل وإعادة توازنات صناديق الضمان الاجتماعي… ولا يتناولوا المسائل العقائدية بسبب ديانتهم الشائعة لديهم (المسيحية) بل بسبب المسائل التي يطرحها على مجتمعهم التيار الإسلاموي (وليس الإسلامي) من برقع ونقاب وحلال واختلاط الرجال بالنساء والصلاة في الشوارع…

كل النقاشات تتم في العلن، تحت الشمس وليس في دهاليز مظلمة. يظهر المتنافسون قدراتهم الشخصية وهم بارعون في ذلك يعرفون دقائق المواضيع الاقتصادية والأرقام.. ومن الأكيد أن كل مرة نسمعهم ونشاهدهم، نفكر من غير إرادتنا في القادة العرب الذين نعرفهم ونرى نصب أعيننا جهالتهم التي يغطونها بخطابات مفخمة لا تتناول دقائق الأمور التقنية التي يبدون لها احتقارا ويتركونها لمن هم “تحتهم” وكأنها دنس لهم…. علينا أن نستلهم من ديمقراطية البلدان الحديثة وليس من “استقرار” و “وطنية” من يقود الدول العربية على شاكلة بن علي والقدافي وبشار وآخرون….

إن السيئ والأسوأ من طبع الإنسان، لكن المحيط الذي يعيش فيه ذلك الإنسان هو الذي يدفعه نحو السيئ أو الأسوأ. وعندما يعيش الإنسان في مجتمع سوي يملك قوانين جيدة ومؤسسات عادلة، يميل طبيعيا إلى الأحسن والأفضل. أما من يعيش في مجتمعات غير منظمة وغير مقيدة بقوانين سياسية واجتماعية واضحة المعالم وتحث على التحسن والعمل والتناغم الاجتماعي، فإنه يهوم في صحاري الفكر ويغرق في وحل السياسة ويتبع فوانيس الشعوذة وسهولة الخلاص الفردي وفي النهاية…. يسقط في براثين الأسوأ.

وبالنسبة لنا الجزائريين، فإن الأفضل ما زال يبدو بعيد المنال ولكن علينا النظر في ذلك الاتجاه حتما والتفكير في كيفية الوصول إليه كالكنز في أساطيرنا القديمة حيث لا يمكن للبطل الحصول عليه إلا بعد أن يتخطى المخاطر ويتغلب على الغول والشرير والجن والماكر…  إن الأفضل لا ينشأ وحده بالمعجزة الإلهية بالنسبة للمجتمعات بل هو يتكون بتحول بطيء يجب الشروع فيه في أسرع وقت. إن “السيئ” هو أب “الأسوأ” ولذا فالعمل يكون في تغيير الأب لكي نتمكن من رؤية ‘الأحسن”، تلك الحلقة المفقودة التي لم نعرفها أبدا في حياتنا الاجتماعية.

 

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم