الرئيسية 5 أراء وتحاليل 5 بين الفكر والسياسة 5 3)- العرب واليابانيون: مفارقات وصُدَف

3)- العرب واليابانيون: مفارقات وصُدَف

بقلم:نور الدين بوكروح

ترجمة :عبد الحميد بن حسان

تسارعت أحداث التاريخ في العالم العربي فجأةً. فالأخبار راحت تنهال على رؤوسنا كالأمطار المتواصلة لتُثخننا بأحداث مدهشة رحنا نشاهدها وكأننا أمام شاشة السينما. لكن بينما كُنّا منشغلين بمشاهدة فيلم عربي مُدهش، إذا بالشاشة تنقسم أمام أعيننا إلى قسمين ليُبثّ على القسم الثاني فيلم يابانيّ أشْعَرضنَا بمغص شديد في الأحشاء.

عندما رحت أشاهد صور المجهودات التي تبذلها السلطات اليابانية لتبريد المفاعلات النووية بواسطة خراطيم المياه، خطرتْ ببالي صورة خراطيم المياه التي تستعملها قوات الأمن عندنا لكي تفلّ عزيمة الجماهير المتظاهرة، (ويا ليتها اكتفت باستعمال خراطيم المياه وحدها ). غير أنّ التوافق لم يتوقف عند هذا الحدّ، فقد انتبهتُ إلى أنّ التسونامي(tsunami) الطبيعي الذي ضرب اليابان حدث في نفس الوقت الذي وقع فيه التسونامي السياسي الذي انهال على البلدان العربية.

في كلتا الحالتين يمكن أن نرى شعوبا تُصارع وسط الدمار والموت، في الحالة الأولى صراع ضدّ قوى الطبيعة وفي الحالة الثانية ضدّ قوى الاستبداد. أليست صور الدخان المتصاعد في سماء راس لانوف أو جدابيا، وصور الفارّين من الجحيم الليبي والذين ليس على أكتافهم حتى ما يَقِيهِمْ من البرد، وصور البنايات المحطمة والسيارات المهشمة على جانبي الطرقات، أليست تلك الصور نفسها هي التي تأتينا من مياكو أو ريكوزونتاكاتا اليابانيتين؟ في اليابان كانت الكلمة للجيولوجيا، وفي البلدان العربية كان جنون العظمة هو الذي يسيطر على الوضع. لقد كان موعدا تكلّمت فيه الأرض والتاريخ في آنٍ واحدٍ، وانجرّ عن ذلك أن تحوّل جزء من أمبراطورية مطلع الشمس، وكذا بعض قلاع الاستبداد، إلى قطعة تبن تلعب بها الرياح.

لكن هذا المشهد المزدوج الذي يعرض صور شعب متواضع، عامل ومنضبط، سُلِّط عليه غضب الطبيعة، وصور حُكَّامٍ يتمرّغون منذ عدة عشرات من السنين في ملايير من البترودولارات المهدورة في التفاهات، هذا المشهد ينطوي على شيء غير قليل من الظلم. وأعجبُ من هذا أنّ هؤلاء المستبدّين يبدو أنهم مقتنعون بأنهم لن يغادروا هذا العالم الذي لم يقدّموا فيه أية منفعة للبشرية إلاّ ليدخلوا جنة النعيم التي سيتمرّغون فيها أيضا بصفة أبدية لا لسببٍ إلاّ لأنهم مسلمون، أمّا أولئك الذين لم يقدموا غير الخير للبشرية ولعالم الحيوان والنبات، سيكون مصيرهم النار يصلونها وبئس المصير، لا لسبب إلاّ لأنهم ليسوا مسلمين. إنّ الأمر قد تجاوز الظلم وصار نوعا من الاحتيال الذي لا يُعقَلُ أن يقبل به العدل الإلهيّ.

إنّ رفاهية اليابان آتية من عبقريتها، وبالتالي فهو قادر على استرجاع هذه الرفاهية، أما رفاهية العرب فمصدرها مالٌ عُثِرَ عليه في باطن الأرض، وهي ستضمحلّ بفناء ذلك المال. وعند ذلك، فإنّ هؤلاء الأغنياء الجدد سيرجعون لا محالة إلى فقرهم القديم.

اليابان والعالم العربي ! شريحتان متقابلتان من البشرية، إحداهما في أعلى درجات التحضّر، والأخرى في الحضيض، مساران تاريخيان متعارضان، أحدهما منطلق من القرون الوسطى باتجاه العصر الحديث، والآخر من العصر الحديث باتجاه القرون الوسطى، إنهما محاولتان للنهوض، أولاهما ناجحة وثانيتهما مُجْهَضَة. ولم يكن بين الثقافتين أي تماسٍّ في الماضي، وكانت كلّ واحدة منهما تجهل كل شيء عن الأخرى حتى جاء القرن التاسع عشر.

ورغم هذه المفارقات فإنّ هذين العالمين تجمعهما مصادفات عجيبة. ولننطلق من أحدثها إلى أقدمها:

1)إنّ العالم العربي اليوم يحتل صدارة الإعلام الدولي بفضل تونس ومصر في نفس الوقت مع اليابان. 2)إنّ تونس ومصر هما البلدان العربيان الأولان اللذان اكتشفهما اليابان في القرن التاسع عشر. 3)إن اليابان والعالم العربي قد الِتَفَتَا إلى فكرة النهضة في نفس الوقت، أي في حدود العشرية السابعة من القرن التاسع عشر ، حيث عُرفت الفكرة في اليابان تحت اسم ” ميجي” ( Meiji)، وعُرفت في العالم العربي تحت اسم ” النهضة “. 4) اليابان بلد كاد أن يصير جزءاً من العالم الإسلاميّ في وقتٍ مضى. وبالفعل، فقد نجا اليابان بأعجوبة من أعاجيب التاريخ من إحدى الغزوات التي قام بها الماغول المسلمون خلال القرن 13 م، ولو نجحت تلك الغزوة لصار هذا البلد ” إمارة” من الإمارات أو ” خاناً” (Khanat) .

ففي تلك الفترة كانت الهيمنة الماغولية (pax Mangolica) مسيطرة على أصقاع كثيرة من الأرض، وكانت الصين تحت حكم أسرة  (dynastie) “يوان” التي أسسها كوبيلاي خان(Kubilaï Khan). فبعد أن طلب الخان الكبير (Grand Khan) من اليابان مرّتين أن تنضمّ إلى أمبراطوريته، قرّر أن يغزوها سنة 1273 وتمكّن من الاستيلاء على عدة جزر يابانية. لكن الماغول أوقفوا زحفهم فجأةً ولأسباب غير مفهومة إلى اليوم. وقام الماغول بعملية أخرى سنة 1281 بجيش متكون من مائة ألف جندي على ظهر أسطول بحريّ تمكّن من الرّسوّ في عدة مرافىء من الأرخبيل الياباني. ودامت المعارك شهرين كاملين حتى جاء إعصار هائل فرّق جموع الجيش الماغولي وأنقذ اليابان من خراب أكيد، بل من احتلال حقيقي. وقد أطلق اليابانيون اسم ” كاميكاز” (kamikaze)على ذلك الإعصار، ويعني: ريح إلهية.

وكان اليابان في نهاية القرن 19 مُطالباً بالانفتاح على التجارة الدولية من طرف القوى الغربية. إنّ تأخّر اليابان في هذا المجال، والذي يُعزى إلى انزوائه في مجموعة من الجزر، قد بلغ حداًّ صار فيه البلد مهددا بالاستعمار. كان اليابان من الناحية العسكرية والاقتصادية والتقنية قابلاً لأنْ يُستعمَر، لكنه من الناحية الثقافية والاجتماعية والنفسية لم يكن كذلك، لا في ماضيه ولا في حاضره ولا في مستقبله. أمّا تونس ومصر فكانتا حديثتي عهدٍ بتجربة الاستعمار المُرّة، حيث كانت تونس تحت وطأة الاستعمار الفرنسي ومصر تحت وطأة الانتداب البريطاني. كان هذان البلدان مضطرين للتنازل عن تسيير شؤونهما للقوى الاستعمارية لأنهما كانا يرزحان تحت وطأة مديونية ثقيلة تُجاه تلك القوى. وصارت مصر وتونس ” محميتين” (protectorats) ، بمعنى أنّهما حافظتا عل دولتيهما في الوقت الذي كانت فيه الجزائر، ومنذ نصف قرن، عبارة عن مستعمرة.

عندما تمّ تدشين قناة السويس سنة 1869 كانت ملكيتها مناصفة بين مصر وفرنسا. ونظرا لأنّ بريطانيا كانت تريد السيطرة على هذا المسلك البحري الجديد فقد قامت سنة 1876 بشراء الأسهم التي كان يملكها الخديوي إسماعيل لأنّ هذا الأخير كان تحت وطأة الديون تُجاه البنوك البريطانية. وهكذا صارت بريطانيا وفرنسا هما صاحبتا  ” الشركة العالمية للقناة” وأخذتا مكان الدولة المصرية في عملية جمع الجباية لكي تسترجع أموالها. وبعد مدّة قام البريطانيون بتعيين الخديوي توفيق في مكان أبيه إسماعيل. وفي سنة 1888 قام أحد الضباط المصريين، وهو العقيد أحمد عرابي، بتنظيم ثورة ضدّ الخديوي وضدّ الحماية الأجنبية. وثار معه الشعب المصريّ، لكن القوات البريطانية كانت بالمرصاد، فكان القمع، وكان نفي أحمد عرابي إلى سيلان (Ceylan).

وقد وصلتْ أصداء هذه المقاومة إلى اليابان، حيث كان أحد الوطنيين، وهو شيبا شيرو(Shiba Shiro) الذي زار أحمد عرابي في منفاه، يتابع باهتمام تلك الصراعات بين القوى الأوروبية والشعوب المستعمرة. قام هذا الوطني بنشر رواية تاريخية في اثني عشر جزءاً تحت عنوان ” كاجين نو كيجو “، وقد حققت تلك الرواية نجاحاً باهراً. خصص الكاتب حلقة من هذه السلسلة لملحمة عرابي باشا. ووجد القُرّاء اليابانيون في شخصيات الرواية ما ينطبق على وضعهم لأنها ترسم لهم المسالك التي يأتي منها الاحتلال الاستعماري، وهي: المديونية الخارجية والاتفاقيات غير العادلة. والحال أنّ اليابان كان يرزح تحت وطأة الديون تُجاه البلدان الغربية، كما كان تحت حكم منظومة قانونية مزدوجة، وطنية وأجنبية.

في كتاب آخر عنوانه ” تاريخ مصر الحديث “، وبأسلوب مباشر، راح شيبا شيرو يبيّن كيف أن عملية التّحديث التي بدأ بها محمد علي تمّ إيقافها بعد موته على يد حفيده وخليفته عباس الأول، وذلك ما أودى بمصر إلى هاوية السيطرة الأجنبية. وقد أرسلت الحكومة اليابانية وفوداً من أجل دراسة الوضعية في تونس ومصر. وقد اندهش الموظفون اليابانيون الموفدون عندما رأوا فرنسيين وبريطانيين يشرفون على مصالح عمومية تونسية ومصرية (مثل الجمارك والضرائب). وكان أحد هؤلاء الموظفين اليابانيين وهو ضابط الجمارك نمورا سايجي، يرغب في التعرّف على أحمد عرابي، فزاره في جزيرة سيلان. وقام بعد ذلك بإعداد تقرير حول تلك الزيارة ونشره سنة 1891. وقد قام عدة ديبلوماسيين يابانيين مُعجبين بشخصية أحمد عرابي بزيارته بعد ذلك في منفاه.

عندما صار اليابان قوة على الساحة الدولية بعد الحرب التي خاضها ضدّ روسيا وخرج منها منتصرا سنة 1905، راح يهتمّ بمكانة ودور الإسلام في حياة الشعوب الواقعة تحت السيطرة الروسية، وذلك بنيّة دفعها إلى الثورة ضدّ روسيا القيصرية. وهكذا وجّهت دولة اليابان دعوات لشخصيات إسلامية شهيرة مثل المصري أحمد علي جرجاوي الذي قضى مدّة هناك سنة 1906، وعند عودته ألّف كتابا تحت عنوان “الرحلة اليابانية”، والذي يدعو فيه إلى التحالف بين الأمبراطورية العثمانية واليابان ضدّ روسيا. وبعده قام التتاري عبد الرشيد إبراهيم بزيارة هذا البلد سنة 1909 وطلب مساعدة الأمبراطور الياباني من أجل استقلال إقليمه. ونُسجّل هنا أن أول ترجمة للقرآن إلى اللغة اليابانية كانت سنة 1920.

أمّا المفكّر الجزائري مالك بن نبي فقد اهتمّ باليابان في وقتٍ مبكّرٍ جداًّ، وأعماله تحمل علامات الإعجاب الذي يُكِنُّهُ لهذا البلد. يقول في كتاب ” وجهة العالم الإسلاميّ ” سنة 1954: “ لقد نجح اليابان حيث لم يتمكن العالم الإسلامي من تسجيل أي انتصار حاسم على التّأخّر لأنه ركّز في عمله على مجال الأشياء، والمنتوجات، بدلاً من الانكباب على الوضع الإنسانيّ وعلى الأفكار كما سجل في كتاب ” فكرة كومنويلث إسلامي ” سنة 1960 أنّ: ” اليابان تَعَلّمَ أفكاراً، بينما انشغل المجتمع الإسلامي بشراءأشياء. ما أعظم ما كتبناه من أشعار حول نهضتنا، في الوقت الذي كان فيه اليابان يُكلّل نهضته بانتصارات باهرة عديدة!  ”

ويُجري مالك بن نبي في كتاب ” ميلاد مجتمع، شبكة الروابط الاجتماعية ” 1962) مقارنة بين مسار الحضارة الإسلامية ومسار الحضارة اليابانية منذ يقظتهما في نهاية القرن 19 قائلاً:  لقد عاد اليابان ليلتحق بركب التاريخ العالمي في نفس الوقت مع المجتمع الإسلامي الحالي. لكنّ اليابان حظي منذ بداية القرن العشرين بنخبة من الرجال أمثال أوكاكورا الذي أفاد بلده بفضل الفكر الجديد الذي أتى به بعد أن تابع تعليمه في البلدان الغربية وتشبَّع بثقافة دانتي(Dante) وشكسبير وديكارت، لكنه كان متشبّعا أكثر بتلك العقيدة الروحانية التي هي نتاج قرون من الحياة الدينية في معابد شينتو(Shinto) المقدّسة، في سفح فوجي ياما، تلك العقيدة التي أتاح لها أوكاكورا بسرعة أن تنكشف للعالم من خلال تقاليد الساموراي والفروسية. وسينضمّ إلى هذه النخبة اليابانية بعد ذلك علماء أسهموا في تطوير المعرفة الإنسانية، من أمثال عالم الفيزياء ناجاوكا الذي وضع منذ أكثر من ثلاثين سنة صيغة إلكترونية، وهي تحمل اسمه، ما زال المختصون في العالم كله يعملون بها. وفي أيامنا نجد من بين أعلام النخبة اليابانية فريقا من العلماء يحتلون مكان الصدارة في الدراسات الرياضية والنووية… إنّ هذه النخبة التي بقيت وفية للنماذج الكبرى الموروثة قد عرفت كذلك كيف تكون وفيّة للنماذج الغربية الكبرى. فدُخُولُهَا إلى الجامعة الغربية كان دخولا إلى معبد، حيث الإحساس بنوع من القداسة التي تفرض التواضع على كل داخل، وتُذكّر العقل بالشعور بالواجب. وقد أتيح للنخبة العربية أن تحتك بالغرب، لكنها دخلته كمن يدخل إلى بازار ليقتني أشياء تزيد من ترفه وملذّاته وعنجهيته. وكان الفرق شاسعاً “.

وها هو أستاذ جامعيّ أمريكي، وهو آلان كريستلاو(Allan Christellow)، الذي قضى طفولته في اليابان، يوازي بين رواية يابانية عنوانها ” بوتشان ” وكاتبها ناتسوم سوسيكي، والتي تمّ تحويلها إلى فيلم سينمائي، وبين كتاب  ” مذكرات شاهد على القرن” لمالك بن نبي. لقد أتيح للأستاذ كريستلاو أن يكتشف بن نبي سنة 1972 من خلال الاطلاع على مجلّة كُنْتُأنشر فيها نصوصا للمفكر الجزائري بصفة منتظمة وهو على قيد الحياة. لقد تحوّل هذا الباحث الأمريكي الذي سأتعرّف عليه فيما بعد، إلى متخصص في فكر مالك بن نبي، حيث خصص له عدة دراسات نُشرتْ في منشورات دولية. وقد شرّفني بتحرير مقدمة لكتابي ” الإسلام بدون إسلاموية ” الذي صدر سنة 2006 عن دار النشر سمر في الجزائر العاصمة.

هكذا، فإنّ العرب والمسلمين، واليابانيين، والهنديين، والصينيين، والإسرائيليين، لم ينتبهوا إلى ضرورة الاستيقاظ وإعادة بناء الحضارة إلاّ في نهاية القرن 19. فإلى أين وصل المسلمون قرنا بعد ذلك، قياسا بالآخرين؟ إذا كانت الحضارات الكبرى، حسب رأي أحد فلاسفة التاريخ   هي القادرة على الانبعاث “، فإنه ينبغي الاعتراف بأن الحضارة العربية الإسلامية هي الحضارة القديمة الوحيدة التي لم تتمكن من الانبعاث من جديد.

إن الديانات الكبرى اليوم (اليهودية، الهندوسية، والمسيحية) تتربّع على قوى اقتصادية وعسكرية تُمثلها بدون منازع كل من إسرائيل والهند والبلدان الغربية. وفي الوقت الذي علا فيه صوت جمال الدين الأفغاني داعيا إلى الإصلاح، كانت اليابان منهمكة في إجراء إصلاحات عميقة بسرعة فائقة، وكانت الصين بصدد إرسال أولى بعثاتها العلمية إلى الولايات المتّحدة. وهكذا نجحت البلدان الآسيوية التابعة للديانة الكونفوشيوسية في انبعاثها الاقتصادي والاجتماعي، لكن الآسيويين المسلمين أخفقوا في ذلك، وهذا رغم الموارد الطبيعية الهائلة التي تزخر بها أراضيهم. والواقع أنّ الذي حدث ليس هو انبعاث الحضارتين اليابانية والصينية، بل هو ظهور اليابانيين والصينيين بوجه جديد وتمكّنهم من التّكيّف مع أنظمة التسيير التي كانوا يجهلونها قبل ذلك.

وإذا كانت النهضة الأوروبية استلهاماً للعصور القديمة وتطلّعا إلى أنوار العقلانية اليونانية اللاتينية قبل أن تتحول إلى ثورة فكرية تجسدت في الفتوح التقنية العجيبة التي حققتها، فإنّ نهضة العالم العربي الإسلامي كانت عودة إلى علوم الدين وإلى الحكم التيوقراطي. لم يكن مِن بين أهدافها تحرير الفكر، ولم تتفتح على أنظمة الفكرالأخرى، ولم تنكب على دراسة فلسفاتها، كما أنها لم تدرس النهضة الغربية واليهودية والصينية واليابانية أو الهندية. نهضتنا لم تهتم بما استجدّ في مختلف العلوم، كالفيزياء الفلكية والبيولوجيا والهندسة الجينية وتكنولوجيات الإعلام الحديثة… إنها تكتفي بالنظر إلى كل هذا من بعيد لأنها لا تجد أي شعور بأنها معنية بتلك الفتوح والانتصارات العلمية. إضافة إلى هذا فإنّ العرب المسلمين لا يستفيدون من نكساتهم وانهزاماتهم وأزماتهم السابقة أو الحاضرة، بل ينتظرون استتباب الوضع وزوال آثار الأزمة دون أن يحاولوا إحداث أي تغيير في تصوّراتهم للأشياء. إنهم يُعوّلون على النسيان للتخفيف من أثر الأزمة، لكنهم سرعان ما يجدون أنفسهم وجها لوجه مع انتكاسة جديدة.

(لوسوار دالجيري 26 مارس 2011)

إعجاب لمتابعة جديد الجزائر اليوم